المجلس الإسلامي» خطب الجمعة» الشيخ عيسى المؤمن |
المؤمن: الشَّيطان هو عدو الإنسان الأول |
|
2010/06/27 - [عدد القراء : 68] - [التعليقات : 1]
|

من حديث الجمعة للشيخ عيسى المؤمن 12 رجب 1431هـ، 25/6/2010م جامع الخيف – قرية الدير
أعوذ بالله من الشَّيطان الرَّجيم بسم الله الرَّحمن الرَّحيم الحمد لله ربِّ العالمين، والصَّلاة والسَّلام على أشرف الخلق والمرسلين أبي القاسم محمَّد، وعلى أهل بيته الطَّيِّبين الطَّاهرين، وأصحابه المنتجبين.
السَّلام عليكم جميعًا ورحمة الله وبركاته. غفر الله لكم، وتقبَّل أعمالكم.
• الولادة المباركة لأمير المؤمنين وسيِّد الوصيِّين أوَّلًا وقبل كلِّ شيء أبارك لكم ولجميع المسلمين في أنحاء العالم وبالخصوص شيعة علي بن أبي طالب (عليه السَّلام) هذه المناسبة العظيمة، وهي ولادة أمير المؤمنين وسيِّد الوصيِّين، وصي رسول الله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) الإمام عليٍّ (صلوات الله وسلامه عليه)، كما أبارك لكم جميعًا ولادة ولديه: الإمام محمد الجواد، وعلي الهادي (عليهما السَّلام). كان بودي أنْ أتحدَّث ولو شيئًا قليلًا عن سيِّدنا ومولانا أبي الحسن (صلوات الله وسلامه عليه)، ولكن أحببت أنْ أرجئ ذلك إلى وقت آخر؛ لأنَّ الحديث عن الإمام عليٍّ (صلوات الله وسلامه عليه) يتطَّلب من المتحدِّث أنْ يقف على بعض المحطَّات الهامَّة في حياته وإنْ كانت حياته (صلوات الله وسلامه عليه) كلُّها محطَّات هامَّة، وحياته كلُّها - لا أقول في سنينها، وفي أسابيعها، وشهورها، وفي أيَّامها، بل في ساعاتها حتى كلّها - يجب أنْ يقف عندها الإنسان؛ ليتخذ منها دروسًا وعبرًا في حياته، ولتكون تلك السَّاعات الشَّريفة لسيدنا ومولانا أمير المؤمنين (سلام الله عليه) خير قدوة لنا في حياتنا، ولذلك أحببت أنْ أرجئ هذا الموضوع، أو الحديث عن الإمام عليٍّ (صلوت الله وسلامه عليه) إلى وقت آخر.
• السَّبب الرَّئيسيُّ الذي يكمن وراء اختياري لموضوع الشَّيطان سأتحدَّث - إنشاء الله تعالى - من هذا الأسبوع، وفي الأسابيع القادمة إلى أنْ ننتهي من هذا الموضوع حول الشَّيطان. يكمن السَّبب الرَّئيسيّ وراء اختياري لهذا الموضوع؛ لإدراكي لأهميته؛ لأنَّ الشَّيطان هو العدوُّ الأول والرَّئيس للإنسان، وإذا عرف الإنسان عدوَّه عليه أنْ يحذره، ويتَّخذ الحيطة والحذر منه، بل وعليه أنْ يعدَّ كلَّ ما بوسعه لمواجهته، خصوصًا إذا عرفنا أنَّ الشَّيطان (لعنه الله تعالى) لديه من الوسائل الشَّيء الكثير التي قد لا تكون موجودة لدى الإنسان. قال الله سبحانه وتعالى في محكم كتابه الكريم: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾. فاطر: 6 هنا الله سبحانه وتعالى يخبرنا بشكل لا شكَّ فيه وبحقيقةٍ لا مراء فيها من أنَّ الشَّيطان هو عدو الإنسان.
• الشَّيطان هو عدو الإنسان الأول وكما تعلمون صُدِّرت الآية الكريمة بحرف التَّوكيد والنَّصب ألا وهو ﴿إِنَّ﴾ ممَّا يفيد توكيد الجملة ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾، يعني لا تسالموا الشَّيطان، بل ولا يخطر على بالكم أنْ تكونوا معه يومًا ما في سِلم؛ لأنَّه يبقى عدوًّا لكم من حين خروجكم إلى هذه الدُّنيا إلى وقت ارتحالكم عنها، يبقى عدوًّا لا يمكن أنْ يسالمكم، أو يهادنكم فاتَّخذوه عدوًّا. وعلى هذا الأساس عليكم أنْ تعتبروا الشَّيطان عدوًّا لكم، والمشكلة الكبيرة في هذا العدو أنَّه مستمرٌّ باقٍ لا يمكن أنْ يذهب عن حياتنا. صحيح يمكن لنا أنْ نهزمه، ونصرعه، ولكنَّه حتى وإنْ صرعناه المرَّة والمرَّتين والثَّلاث يعاود الكَرَّة مرَّات ومرَّات؛ كيما يحقِّق نصرًا علينا. لا يقتصر العدو على الشَّيطان، بل توجد أعداء كثيرة للإنسان في هذه الحياة.
* أنواع الأعداء
أوًّلًا: الحاسد أو الحسود
إنَّ للمرء أعداء كثيرين في هذه الحياة، فمن أعداءه مثلًا الحاسد أو الحسود، هذا يعتبر من أعداءه، الحسود الذي يحسده على ما هو فيه، وعلى ما عنده، وعلى ما لديه من نعمة.
ثانيًا: الحاقد
ومن أعدائه – أيضًا - الحاقد الذي يحمل حقدًا عليه لأمر أو لآخر، الحاسد – مثلًا - قد يكون من ضمن الحسَّاد شخص يراك في نعمة هو ليس فيها، أو يراك منافسًا له فيما هو فيه، كأنْ تكون – فَرَضًَا - صاحب صنعة أو مهنة معيَّنة، هو يمتهن نفس المهنة، فيراك منافسًا له في ذلك، فيحسدك على ذلك، ويحقد عليك؛ ولهذا قيل بأنَّ عدو المرء مَن يعمل عمله. الحاقد قد يحقد عليك لأسباب عدَّة، فمثلًا قد يحقد عليك، لأنَّك تخالفه في الدِّين، وفي المذهب، فيحقد حقدًا عليك؛ لأنَّك ليس على دينه، أو على مذهبه.
ثالثًا: الأولاد والأزواج وقد يكون من أعداء الإنسان أقرب النَّاس إليه أولاده وأزواجه، هؤلاء – أيضًا - يعتبرون من أعداء الإنسان، حيث يكونون أعداء له لأسباب هم يتخيَّلونها، أو يتوهَّمونها، كأنْ يرون – مثلًا - أنَّ وجوده بينهم يمثِّل عقبةً أمام تحقيق ما يريدون، أو قد يكون السَّبب في ذلك أنَّهم يطمحون، ويتطلَّعون، ويطمعون فيما عنده، أو فيما لديه، ولهذا يتمنَّون موته، أو يسعون في هلاكه؛ لأجل الحصول على ما عنده، أو لأسباب أخرى، ولهذا يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَّكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ﴾. التغابن: 14 طبعًا (من) هنا تفيد التَّبعيض، يعني أنَّ بعضًا من أزواجكم، وبعضًا من أولادكم عدو لكم، وليس كلُّ الأزواج، وكلُّ الأولاد، - وأنا لا أقول هذا؛ لكي أحرِّض المؤمنين على أنْ يكونوا أعداء لأزواجهم، وأولادهم، لا -، نحن وبحمد الله تعالى في بيئة إسلاميَّة، وقد تكون النِّسبة 90% نسبة العلاقة الطَّيِّبة والحسنة بين رب الأسرة وبين أهله، أي بين زوجته وبين أولاده. وقد تكون النِّسبة أكثر من 90% نسبة المحبَّة التي تكون في قلب الأولاد والأزواج تجاه الأب والزَّوج، لكن القرآن الكريم يقول: إنَّه قد يوجد من بين الأزواج، أو من بين الأولاد من هو عدوٌّ للإنسان.
رابعًا: المنافق ومن أعداء الإنسان هو المنافق الذي يداهن هذا الإنسان في عيوبه، ويسترها عليه، ولا يصارحه بها، بل يسايره في هواه دون أنْ ينبِّهه إلى أخطائه أو يسدي إليه النَّصيحة والموعظة، بينما نرى هذا الإنسان يعيبه في غيابه، ويذكر كلَّ مساوئه لدى الآخرين، فهذا في الواقع وإنْ أبدى لك، وإنْ ظهر أمامك بمظهر الصَّديق، أو المحبّ، فهو عدوٌّ لك. الذي يداهنك، والذي يسايرك في كلِّ ما تفعل حتى في انحرافاتك – مثلًا -، حتى في صدور الأعمال السيِّئة منك، لا ينبِّهك عليها، بل يسايرك فيها، ويسير مع أهوائك يرى هواك أين يسير، وماذا تريد أنت، فيسايرك في ذلك، فهذا عدوٌّ لك، لو كان محبًّا لك لنبَّهك إلى هذه الأمور، ولأيقظك من غفلتك حينما تأتي ببعض الأمور السيِّئة، وحينما ترتكب بعض الأعمال غير الحسنة، فهذا يعتبر عدوٌّ للإنسان. يقول الإمام عليٌّ (صلوات الله وسلامه عليه): "مَن ساترك عيبك، وعابك في غيبك، فهو العدوُّ فاحذره"، أي مَن يغطِّي على عيوبك، هذا ليس من باب أو دافع المحبَّة، هذا عدوٌّ لك؛ لأنَّه لو كان محبًّا لك لنبَّهك إلى هذه العيوب؛ لكي تتخلَّص منها، لا أنْ يستر عليك عيبك؛ لكي يتفاقم، ويكبر هذا العيب لديك إلى أنْ يسقطك أمام النَّاس، وأمام الله سبحانه وتعالى.
خامسًا: شهوات الإنسان ورغباته ومن أعداء الإنسان شهواته ورغباته، وأعظمها شهوة البَطْن، والفَرْج، فإنَّهما تُلِحَّان على الإنسان حتى تورداه المخاطر والمهالك، وقد رد عن الإمام عليٍّ (صلوات الله وسلامه عليه) قال: "بطن المرء عدوُّه". إنَّ السَّبب الرَّئيسيَّ وراء وجود هذه الأصناف العديدة من الأعداء هو الجهل! هذه الأصناف العدَّة من الأعداء التي ذكرناها ما كانت لتكون، أيّ تكون أعداء للإنسان لولا وجود شيء واحد هناك يعتبر هو السَّبب الرَّئيسي في وجودها، أو في جعلها أعداء ألا وهو الجهل. إنَّ الجهل هو الذي جعل من هذه الأصناف أعداء للإنسان؛ ولهذا يقول أمير المؤمنين (صلوات الله وسلامه عليه) في الكلمة المأثورة عنه، والتي تعتبر في الواقع من أعظم الكلمات والحِكم ألا وهي: "النَّاس أعداء ما جهلوا"، فهذا الحاقد إنَّما يحقد عليك لجهله، فمثلًا هذا الحاقد لو كان يحقد عليك لأنَّك تخالفه في الدِّين والمذهب، فلو كان يعلم أنَّ الإنسان له أنْ ينتحل أيَّ دين، وأيّ مذهب، وله أنْ يجادل الآخرين في أفكارهم، وفي متبنياتهم الفكريَّة لما أصبح عدوًّا. قال الله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ ...﴾ آل عمران:64، فقد تكون هناك بعض الأمور المشتركة التي يمكن أنْ تتَّخذ قاعدة للتَّحاور، فلماذا يكون عدوًّا؟!!، فباب الحوار مفتوح. القرآن الكريم يقول: ﴿... وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ﴾ سبأ:24، يعني يُفترض فرضٌ أنَّ النَّبيَّ (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) ورسالته والمؤمنين قد يكونون على ضَلال – والعياذ بالله تعالى -، هذا فرض، وهو فقط من باب فسح المجال أمام الخصم، وأمام الطَّرف الآخر؛ كي يأتي إلى الحوار، فهذا لو لم يكن جاهلًا بهذا الأمر لما جعلك عدوًّا له لأنَّك تخالفه في الدِّين، أو في العقيدة( ). الحسود كذلك لجهله، لأنَّه لو كان عالمًا إنَّما فيما يديك، وأنَّ ما تملكه قد أعطاه الله (عزَّ وجلَّ) إيَّاك، والذي أعطاه يمكن أنْ يعطيك، فلو كان عارفًا بذلك لما حسدك على ما أنت فيه.
إذًا الجهل هو سبب كون هذا الحسود عدوًّا للإنسان، أو كون هذا المرء حاسدًا لما في يد أخيه المؤمن، أو في يد أخيه الإنسان، فالجهل هو السَّبب. كذلك الأزواج والأولاد لجهلهم - كما ذكرنا - كانوا أعداء للإنسان، لأنَّه - كما ذكرنا - أنَّهم يريدون – مثلًا - أنْ يستحوذوا على ما فيه يديه، أو أنَّهم – فَرَضًا - يرونه عقبة أمامهم وأمام نيل ما عنده وما يملك، فلو كانوا يعلمون أنَّ كلَّ ذلك بيد الله (عزَّ وجلَّ)، وأنَّه من الممكن أنْ يموتوا قَبْله، ومن الممكن أنْ يسلبه الله تعالى ما هو فيه، ومن ثم لا يحصلوا على شيئ لما اتَّخذوه عدوًّا. فالجهل إذًا كان سببًا لعداوة بعض الآباء، أو الأبناء، أو الأزواج. وكذلك اتِّباع الإنسان لشهواته لجهله، لأنَّه لو كان عارفًا بأنَّ شهواته خصوصًا - كما ذكرنا- شهوة البَطْن والفَرْج له أنْ يلبيها بالطُّرق المستقيمة والصَّحيحة والمشروعة دون أنْ يحرم نفسه من ذلك، لما اتَّبع هواه في كلِّ ما يريد، ولما انساق وراء شهواته في كلِّ ما تطمح إليه. لو كان عارفًا أنَّ هذه الشَّهوات إذا سار معها تُرديه وتُورده موارد المهالك والهَلَكة لما اتَّبعها. إذًا جهله بذلك يجعله يسير وراء شهواته. أشد الأعداء خطرًا على الإنسان، وأشدّهما فتكًا به هما نفس الإنسان والشَّيطان. هذه جملة من الأعداء للإنسان، ولكن هناك عدوَّان رئيسيَّان، وخطران على الإنسان، ويعتبران من أشدّ الأعداء له، وأعظمها فتكًا به، هذان العدوَّان هما نفس الإنسان، والشَّيطان. إذا نرجع إلى الرِّوايات الشَّريفة، والآيات الكريمة نلاحظ أنَّهما - أيّ الآيات والرِّوايات- تجعلان هذين الأمرين من أشدّ الأعداء وأعظمهم على الإنسان، وأخطرهم عليه، يقول نبيُّنا الأكرم (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم): "أعدى عدوك نفسك التي بين جنبيك". وهناك طبعًا روايات كثيرة بهذا المضمون تمامًا، ولكن أعرضتُ عنها لا حاجة لذكرها، فرواية واحدة تكفي. أعدى أعداء الإنسان هي نفسه التي بين جنبيه، لأنَّها تورده المهالك. هذه الرِّواية توضِّح وتبيِّن لنا أنَّ النَّبيَّ (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) يقرِّر للإنسان، يقرِّر لنا بأنَّ أعدى الأعداء لنا - يعني أشدَّ الأعداء خطرًا علينا، وأكبر الأعداء الذين يواجهوننا في الحياة - هي أنفسنا التي بين جنبينا. فاتِّباع الإنسان لهوى نفسه، والاستسلام لشهواتها هو أعدى الأعداء لها، لأنَّها تورده المهالك، وتزري به بين الخلائق، وتبعده عن الخالق (جلَّ وعلا)، حتَّى يكون بالتَّالي محلًّا لغضبه، وسخطه، وحلول نقمته.
فالنَّفس دائمًا أمَّارةٌ بالسُّوء كما قال القرآن الكريم: ﴿وَمَا أُبَرِّىءُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ...﴾. يوسف:53، فالآية توجد فيها أكثر من أداة توكيد هي: (إنَّ، والجملة الاسميَّة، ولام التَّوكيد)، والآية تؤكِّد أنَّ النَّفس أمَّارة بالسُّوء، والقرآن الكريم يقصد عموم أنفس النَّاس؛ ولهذا النَّفس تعتبر عدوٌّ أوَّل، وخطر على الإنسان، وعليه أنْ يحذره في كلِّ آنٍ، وفي كلِّ وقت.
صفات النفس كما يصفها الإمام زين العابدين (عليه السلام) فالنَّفس دائمًا أمَّارةٌ بالسُّوء، تحمل الإنسان على الخطيئة، وتولعه بالمعصية، وما أروع وصف الإمام زين العابدين (صلوات الله وسلامه عليه) لهذه النَّفس حين يشكوها إلى الله (عزَّ وجلَّ)، ويطلب منه أنْ يعينه عليها، فلتستمع إليه وهو يقول في إحدى مناجاته العظيمة، المناجاة الخامسة عشرة، في إحدى مناجاته التي وُسمت بمناجاة الشَّاكين، انظروا ماذا يقول الإمام زين العابدين (سلام الله عليه): "إلهي، إليك أشكو نفسًا بالسُّوء أمَّارة، وإلى الخطيئة مبادرة، وبمعاصيك مولعة، ولسخطك متعرِّضة، تسلك بي مسالك المهالك، وتجعلني عندك أهون هالك، كثيرة العلل، طويلة الأمل، إنْ مسَّها الشَّرُّ تجزع، وإنْ مسَّها الخير تمنع، ميَّالة إلى اللَّعب واللَّهو، مملوءة بالغفلة والسَّهو، تسرع بي إلى الحوبة، وتسوِّفني بالتَّوبة"، فهذه هي صفات النَّفس، فإذا كانت هذه صفات النَّفس، إذًا هل هناك عدوٌّ أعظم منها؟!! لا حظوا كيف تفعل النَّفس للإنسان؟، تورده موارد المهالك، كلُّ هذه الصِّفات التي ذكرها الإمام (صلوات الله وسلامه عليه) هي صفات النَّفس الإنسانيَّة، وبالتَّالي مَن يغلب هوى نفسه، وينتصر على شهواته، فهو المنتصر حقًّا؛ لأنَّه قد انتصر في أكبر معركة وأخطرها عليه، فيكون بالتَّالي أقدر على تحقيق الانتصار في جميع المعارك الأخرى، وأقدر على مواجهة أيّ عدوٍّ مهما كان قويًّا وشرسًا، فإذا استطاع أنْ يواجه هذا العدو الكبير، هذا العدوَّ الفتَّاك، بمقدوره أنْ يواجه أيَّ عدوٍّ مهما كانت قوَّته، ومهما كان سلطانه. يقول الإمام (صلوات الله، وسلامه عليه): "ميدانكم الأول أنفسكم إنْ قدرتم عليها كنتم على غيرها أقدر، وإنْ خذلتم فيها كنتم عن غيرها أعجز".
العطلة الصَّيفيَّة والفراغ القاتل، وتعاظم مسؤوليَّة الآباء والأمَّهات تجاه شغل أوقات فراغ أبنائهم النّقطة الأولى: نحن مقبلون على العطلة الصَّيفيَّة، وتقريبًا قد بدأت العطلة بالنِّسبة إلى الطُّلاب وإنْ كان المدرسون لم تبدأ عندهم العطلة الصَّيفيَّة، ولكن بالنِّسبة لطلابنا الأعزاء وبناتنا وأبنائنا، قد بدأت العطلة بالنِّسبة إليهم، وهنا أوجِّه كلمتي إلى آبائي الكرام، وإخواني الأعزَّاء، ولأبنائي وبناتي الأحبَّة، لأقول لهم: هذه العطلة – طبعًا - هي أوَّلًا فرصة؛ كي تكون فترة نقاهة بالنِّسبة لهم بعد عام دراسي مجهِد ومتعِب، فعليه أنْ يستثمرها أحسن استثمار. الكلمة أوَّلًا نوجِّهها إلى الآباء الكرام، فعليهم أنْ يلتفتوا إلى أبنائهم، وإلى بناتهم في هذه العطلة؛ لأنَّهم أمام خطر كبير يتمثَّل في هذا الفراغ الذي سيكون لديهم، فقبل ذلك كانوا مشغولين بالدِّراسة، فنصف النَّهار في المدرسة والنِّصف الثَّاني قد يكونون مشغولين بالمراجعة والتَّحضير، أمَّا الآن فطوال النَّهار، وطوال اللَّيل هم في فراغ، وأشدّ خطرًا على الإنسان خصوصًا الشَّاب إذا كان فارغًا؛ لأنَّه يلتمس له ما يشغل وقته، فقد يبحث هنا وهناك، وقد يلجأ إلى هذا العمل أو ذاك ليشغل به وقته، ويقتل به فراغه؛ ولهذا يكون الفراغ فرصةً للإنسان خصوصًا الشَّاب والشَّابة. أقول: قد يكون فرصة لأنْ ينحرف الإنسان عن الطَّريق الصَّحيح، يقول الشَّاعر: إنَّ الشَّباب والفراغ والجدة مفسدة للمرء أي مفسدة فهنا تتعاظم المسؤوليَّة علينا أيُّها الإخوة والأخوات، وأيُّها الآباء والأمَّهات تجاه أبنائنا وبناتنا، علينا أنْ نشغل أوقاتهم، وعلينا أنْ نلاحظهم ونراقبهم؛ كيما يكونوا طعمة في أيدي أبناء الشَّيطان؛ ولأنْ لا يكونوا منفلتين هنا وهناك يبحثون عمَّا يشغل به أوقاتهم وإنْ كان غير صحيح، وغير مستقيم.
مطالبة مؤسَّسات المجتمع في وضع برامج هادفة؛ لتشغل أوقات الشَّباب وأمَّا كلمتي إلى مؤسَّسات هذا المجتمع كالجمعيَّات، أو الصُّناديق، أو النَّوادي، فهي مطالبة اليوم خصوصًا في هذا الوقت - ألا وهو وقت العطلة - بأنْ تهيِّئ برامج تشغل أوقات الشَّباب والشَّابات. عليها تقع مسؤوليَّة شغل أوقات بناتنا وأبنائنا، هي كمؤسَّسات مدنيَّة لديها الإمكانات سواء كانت الماديَّة أم المعنويَّة، لأنْ تضع برامج، وأنْ تبتكر كثيرًا من الأعمال الهادفة والصَّحيحة التي تشغل أوقات أبنائنا وبناتنا، فهي مسؤولة اليوم عن وضع مثل هذه البرامج. وأمَّا أولادي وبناتي الأحبَّة الطَّلبة والطَّالبات، فكلمتي لهم أنْ لا يغتروا بأصحاب السُّوء أوَّلًا، ثم عليهم أنْ يدركوا أنَّ لهم مسؤوليَّة في هذا المجتمع، وأنَّهم أبناء مجتمع طيِّب صالح، فلا يكونوا عالة عليه، ولا يكونوا سوأةً عليه بأعمالهم المنحرفة. وأستغفر الله تعالى لي ولكم، والسَّلام عليكم ورحمة الله وبركاته، والصَّلاة على محمَّد وعلى آل بيته الطَّيِّبين الطَّاهرين.
|
|
| |
|
|
| الاسم |
التعليق |
زائر التاريخ :2010-08-11 |
شكرا يافضيلة الشيخ على هذا الموضوع الهام والى الامام دائما وابذا... |
|
| |
 |
| |
|
|
| |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
| |
|
|
| |